يجرّب طه (22 عاماً) أن يبقي في ذاكرته صورة أرضهم خصبة وخضراء مزروعة بكل أنواع الأشجار، وآمنة كما عرفها في طفولته، قبل أن تصبح مصدراً للخطر.
أرض العائلة الآن مليئة بالقنابل والصواريخ غير المنفجرة وأنواع كثيرة من مخلفات الحرب، كما يصف طه حالها بأسف، فعند عودته مع عائلته إلى حي الحويقة بدير الزور عام 2023، وجدوا إرثاً ثقيلاً تركته الحرب في أرضهم حرمهم من زراعتها، وقد كانت تسد حاجة العائلة من الخضروات، مع فائض يؤمن الاحتياجات الأخرى.
“شعرت بالخوف من أن تطأ قدمي لغماً ينهي حياتي” يقول صالح الذي اضطر أيضاً لترك تربية النحل مصدر رزقه الوحيد، قبل أربع سنوات، حين أصبح الوصول إلى مراعي النحل خطراً، بعد انتشار مخلفات الحرب في قريته البهلونية في حمص الحدودية مع لبنان.
صالح كان يراقب خلايا النحل بعناية وشغف، ويتابع نموها موسماً بعد آخر، لكنه الآن يشتغل في تقليم الأشجار وتطعيمها كعامل مأجور، لتأمين لقمة عيش عائلته وحاله لا يختلف عن حال كثيرين من أبناء قريته العالقين بين خطر الألغام وقلة الفرص.
إرث الحرب الثقيل، لم يسلب رزق طه وصالح فقط، فحسب تقديرات الأمم المتحدة، ثلث المجتمعات في سوريا معرّضة لخطر التلوث بالذخائر غير المنفجرة، ففي مسرابا بريف دمشق “تحاصر الفلاحين تحديات من كل مكان فالجفاف وقلة الأمطار وارتفاع التكاليف من جهة وخطر الألغام من جهة” يقول سليم إدريس الذي أجبرته مخلفات الحرب على التحول من صاحب أرض إلى عامل مؤقت في أراضي الآخرين ليكفي حاجة أولاده السبعة.
“ما الذي نستطيع فعله؟” يسأل سليم بإحباط، وقد حاول التواصل مع مهندسين مختصين تمكنوا من تنظيف بعض المساحات لقاء أجر، لكن الوضع لايزال خطراً، على حد تعبيره.
خطورة الوصول إلى الأراضي لا تقف عند خسارة الرزق فقط، بل باتت تهديداً إضافياً للأمن الغذائي في سوريا، لاسيما للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والزيتون وغيرها، فالعم أبو دانيال (62 عاماً) توقف عن زراعة أرضه شرق ذكير في السويداء بالقمح والشعير منذ عام 2013، كما كل الفلاحين في ذات المنطقة، حيث تبعد بعض الأراضي فيها مسافة 12 متراً فقط عن الألغام.
ويُعيق تلّوث المناطق السكنية والبنى التحتية الحيوية، مثل المشافي والمدارس والطرق، وصول المدنيين إلى الخدمات الأساسية، والعودة الآمنة التي باتت حلماً مؤجلاً لخالد رعدون، الأب لأربعة أولاد، فبعد سبع سنوات نزوح في مخيمات الشمال السوري، قرر الرجوع لتفقد بيته في منطقة قلعة المضيق بريف حماة الشمالي الغربي، نهاية عام 2024، لكنه لم يستطع الاقتراب.
“حدث انفجار في بيتي وكان يستخدم كمستودع للأسلحة والذخيرة التي تطايرت إثر الانفجار في المحيط” يقول خالد وقد قرر إبقاء زوجته المصابة بالسرطان وأولاده في المخيم لحين تمشيط المنطقة من قبل الجهات المعنية، وتأمين عودتهم وإنهاء معاناتهم، فهو لا يملك عملاً يغطي تكاليف استئجار منزل على حد تعبيره.
سعادة العم أبو عبدو انقلبت غماً أيضاً، ومحاولة العودة إلى منزله وأرضه في قلعة المضيق بعد ست سنوات باءت بالفشل، حيث وجد بيته دون جدران وأبواب ونوافذ، ولم يتمكن من دخوله أو زيارة الأرض، خوفاً من الذخائر غير المنفجرة المنتشرة فيهما، ويأمل العم الستيني بعد زيارة متطوعي الهلال الأحمر العربي السوري المنطقة وإجراء تقييم وتحديد المواقع غير الآمنة، أن تكون بداية لخطوات عملية لتنظيف المنطقة كما يقول.
وتُقدّر دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أنه منذ عام 2013، يُقتل أو يُصاب ما معدله ستة أشخاص يومياً بسبب الذخائر المتفجرة، ووثّق الهلال الأحمر العربي السوري بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر 2696 حادث أودى بحياة 2630 أشخاص وأصاب 3731 بين عامي 2019 وبداية 2025.
“كنت أمشي في خطوات متقدمة عن أطفالي وزوجتي لتأمين الطريق خوفاً من الألغام لكنها طالتني” يقول عمار أمين (٣٢ عاماً) الذي انفجر فيه لغم أثناء نزوحه إلى الحسكة عام 2019، وفقد على أثره ساقه وقدرته على العمل في تركيب البلاط.
عمار لا يزال يبحث عن عمل يناسب وضعه الجديد بعد تركيب طرف صناعي منذ 7 أشهر، لإعالة أولاده الخمسة، ويأمل أن تساعد جلسات التوعية التي ينفذها متطوعو الهلال الأحمر العربي السوري حول مخاطر مخلفات الحرب في منع أي حوادث جديدة لاسيما أنها منتشرة في بعض مناطق ريف الحسكة الشمالي، وتشكل خطراً على العائدين إلى قراهم وحقولهم الزراعية.
لكن تلك الحوادث تتكرر في كل مكان، كما في بلدة بريقة بالقنيطرة، حيث داس حسن علي محمد على لغم أرضي أثناء عمله في البناء عام 2019، تسبب ببتر قدمه اليمنى وإصابات بالغة في القدم اليسرى، وبقي عاجزاً عن العمل لمدة عامين، خاض خلالهما رحلة علاج مرهقة نفسياً وجسدياً، وبعد تركيب طرف صناعي في مركز الهلال الأحمر العربي السوري بشبعا في ريف دمشق، عاد إلى مهنته، لكن الإصابة أثرت على طاقته وقدرته، ومع ذلك، استطاع التكيّف مع واقعه الجديد، من أجل أولاده السبعة.
ومحمد المصطفى 22 عاماً فقد قدمه منذ عامين، إثر تعرضه لانفجار لغم أرضي في بادية الرقة أثناء موسم جمع الكمأة، والآن يعمل ببقالية صغيرة افتتحها بمساعدة منحة من الهلال الأحمر العربي السوري.
ويعمل الهلال الأحمر العربي السوري من خلال وحدة الأعمال الإنسانية المتعلقة بالألغام وبدعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على تخفيف حدة المشكلة، وخطرها على السكان، عبر تقييم الاحتياجات في المجتمعات المتضررة، ونشر التوعية فيها حول مخاطر الألغام ومخلفات الحرب وطرق الوقاية منها، وإنشاء مساحات لعب آمنة للأطفال في تلك المجتمعات حيث وصلت رسائل التوعية إلى 1,400,349 شخص بين عامي 2017 و2024.
كما ينفذ الهلال الأحمر العربي السوري مسح غير تقني لتحديد مواقع المناطق الخطرة والمشتبه بخطورتها في محافظات حمص وحماة وحلب ودير الزور وريف دمشق واللاذقية، ويعمل لتسهيل وصول ضحايا الألغام إلى مراكز إعادة التأهيل البدني والأطراف الصناعية، ومساعدتهم للوصول إلى الخدمات الطبية بما فيها النفسية والخدمات الإغاثية والمساعدات النقدية ومنح تدعم سبل عيشهم.
ومن أجل استمرار العمليات الإنسانية في جميع المناطق بأمان، يوفر الهلال الأحمر العربي السوري تدريبات السلامة لموظفيه ومتطوعيه.