‫المياه والصحة والتهديد المتزايد للأمراض‬‎


بقلم فيفيان طعمة

أمام عيادة الأطفال في مركز الهلال الأحمر العربي السوري في منطقة الدويلعة في ريف دمشق، وقفت سلاف التي لم تكمل عامها الخامس عشر إلى جانب شقيقتها التي تصغرها بثماني سنوات بانتظار دورهم لتلقي حصتهم من حقن الأنسولين التي  قد تخفف من وطأة معاناتهم مع مرض السكري الذي يهدد اليوم حاسة البصر لدى سلاف وراحة البال لدى عائلتها.

قد يبدو مرض السكري مرضاً مزمناً يتعايش معه المريض بأخذ أدوية مزمنة هي الأخرى، ولكن أن يضاف إلى ذلك أزمة التهجير المزمنة التي تعاني منها العائلة حالت دون حصولهم على الدواء للفتاتين. وأصبحت الحالات التي يمكن مراقبتها في المنزل لا تحظى بأي متابعة، الأمر الذي يلقي بثقله على منافذ الخدمات الصحية التي بالأصل ترزح تحت وطأة الكثير من الضغوطات.

تدير منظمة الهلال الأحمر العربي السوري  (52)  مستوصفاً وعيادة تنتشر في جميع أنحاء القطر. وبالرغم من تعرض هذا المستوصف للكثير من قذائف الهاون في بداية شهر نيسان من العام الحالي، إلا أنه مستمر في تقديم خدماته للمواطنين.

إحدى الطبيبات في المستوصف  أشارت إلى ورود حالات إلتهاب كبد (أ) بمعدل حالة واحدة يومياً الى هذا المركز الخدمي وحده. وعبّرت الطبيبة عن قلقها من أن يؤدي النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب إلى إنتشار هذا المرض في هذه المنطقة وتحوله إلى وباء فيما بعد.

يعاني بعض الناس من إنقطاع مياه الشرب ولسد هذه الحاجة يضطرون أحياناً لشراء كميات من المياه الغير آمنة والمجهولة المصدر، خاصة وأن تلك الصهاريج التي تبيع الماء غير مرخصة رسميا وربما يتم تعبئتها من مياه الآبار الغير آمنة أو مياه الأنهار الغير معالجة.

إن تفاقم مشكلة نقص المياه تزيد من أعباء الواقع الصحي حيث يحذر الأطباء من ازدياد احتمال انتشار الأوبئة، وبالتالي وجهت د. نور سبيناتي العاملة في المستوصف نداءً للقيام بحملة تلقيح وذلك درءاً لتهديدات مخاطر إنتشار الأمراض حيث قالت: “إن نقص المياه في مثل هذه الأوضاع يساهم في انتشار الأمراض كالجرب والقمل وغيرها من الأمراض التي تنتقل عن طريق المياه”.

يبذل الفريق العامل في العيادة أقصى جهده لتشخيص أكبر عدد من الحالات للحد من انتشار الأمراض، وبهذا الصدد تشرح د. سبيناتي “قبل كل شيء نسأل المريض عن المصدر الذي يزوده بمياه الشرب وعن المنطقة التي تهجّر منها. وبعد ذلك نطلب تحليلاً لوظائف الكبد”.

 تفتح العيادة أبوابها ستة أيام في الأسبوع لاستقبال جميع المرضى سواءً من سكان المنطقة المحليين أو المهجّرين ومن جميع الأعمار لتقديم العلاج اللازم لهم. وبالرغم من أن الأزمة أرخت بأضرارها بشكل أو بأخر على جميع المواطنين إلا أن العيادة تولي اهتماماً أكبر بالشرائح الضعيفة خاصة تلك التي تهجّرت خارج منازلها حيث يقول أحد الأطباء في العيادة: “عندما يكون لدينا نقص في الأدوية تكون الأولوية في تلقي الدواء للمهجرين”.

في الوقت الذي تبدو فيه حالات السكري وأمراض ضغط الدم هي الأكثر  شيوعاً إلا أن كادر العيادة لاحظ ارتفاعاً في عدد النساء اللواتي يعانين من سوء التغذية وأمراض فقر الدم، حيث يتم معاينة نحو 20- 25 إمرأة في العيادة النسائية يومياً، تعاني معظمهن من هذه الأمراض. كما أشاروا أيضاً إلى ازدياد عدد النساء الحوامل وذلك نتيجة لعدم توفر موانع الحمل أو خدمات الرعاية الصحية المنتظمة حيث أفاد طبيب العيادة النسائية بهذا الخصوص قائلاً: “أعتقد بأن هناك حاجة اليوم لرفع مستوى الوعي الصحي لدى الشرائح الإجتماعية”.

كما وتشهد العيادات أيضاً إرتفاعاً ملحوظاً في عدد الأشخاص المحتاجين لنظارات طبيّة أو كراسي متحركة وغيرها من الأجهزة التي تساعد المرضى على المشي. يُعتبر كل ما سبق شأناً يومياً من شؤون الدعم الصحي، ولكن استمرار الأزمة التي تعصف بالبلاد تعني زيادة في تردي أوضاع الأشخاص اللذين عاشوا المعاناة وتأقلموا معها. كما أن العديد من هؤلاء الناس يعيشون معاناة مجانية حيث يقاسون أوضاعاً قابلة للمعالجة و التعديل.

في العيادة العينية التقينا من جديد بسلاف وأختها ووالدتها التي قالت والذهول بدياً على وجهها :”قال لنا الطبيب بأن العصب البصري عند إبنتها سلاف متأذي بسبب ارتفاع نسبة السكر في الدم لديها”.

طبيب الهلال الأحمر العربي السوري وعد بإرسال جهاز فحص يمكن استخدامه في المنزل للمساعدة في تخفيف الألم الذي تعانيه الفتاتين نتيجة أخذ الحقن اليومية. ويسعى الصليب الأحمر الدانماركي إلى تزويد مرضى  العيادة من الأطفال بمزيد من أجهزة الفحص الذاتية.

يرى القائمون على مشروع الدعم النفسي-الإجتماعي في منظمة الهلال الأحمر العربي السوري أن المنظمة قادرة على تزويد سلاف بجهاز الفحص الذي يمكنها استخدامه بنفسها ودون أن تشعر بالألم، إلا أن الأذىية التي لحقت بالعصب البصري لدى سلاف لا يمكن معالجتها وبالتالي هناك تحد جديد يتوجب على سلاف وعائلتها مواجهته معاً.

أخيراً لا يسعنا إلا أن نقول أنه وفي ظل الأزمات تبدو أي مشكلة جديدة مصيبة بحد ذاتها، فكيف بأمر عائلة سلاف التي تعتبر  من العائلات التي تهجّرت من منزلها، وتعاني حزناً على والدها المفقود، وغير قادرة على إرسال أبنائها إلى المدرسة إضافة إلى أنهم يعتاشون على مصدر معاشي بسيط.

يقدم مستوصف الدويلعة خدماته الطبية والإستشارية شهرياً  لنحو 2300 شخص، 800 منهم من الأطفال.

ترجمة هدى شبطا

Powered By Guestra ©2019